تواجه منظومة الطاقة في العراق مفترقاً حاسماً بين استمرار هدر الغاز المصاحب وبين تحويله إلى رافعةٍ للتوليد الكهربائي والنمو الصناعي. وقد اتّجهت الحكومة خلال 2024–2025 إلى جعل استثمار الغاز المصاحب ومشاريع الكهرباء والطاقات المكمِّلة محوراً للبرنامج الحكومي، مع تأكيدات متكررة من مكتب رئيس الوزراء ووزارة النفط ووزارة الكهرباء على تسريع التنفيذ وشبك الجهود بين القطاعات، بما في ذلك اعتماد مسارٍ استثماري كبير يعرف بمشروع «الجنوب المتكامل/تنمية الغاز المتكامل.
يقوم مشروع GGIP – وفق تصريحات وبيانات وزارة النفط – على أربعة محاور رئيسية: تطوير حقل أرطاوي النفطي، واستثمار الغاز المصاحب من عدة حقول جنوبية وتوجيهه لمحطات الكهرباء، وإنشاء محطة كبرى لمعالجة مياه البحر لتزويد حقول الجنوب بالمياه اللازمة للحقن، إلى جانب مكوّن للطاقة الشمسية في البصرة. وفي أبريل ويونيو 2025 أكدّت الوزارة تقدّم الأعمال، وذكرت أن الطاقة المستهدفة لإنتاج النفط في أرطاوي تبلغ 210 آلاف برميل/يوم عند الإكمال، وأن مشروع ماء البحر جزء أصيل من الحزمة، فيما أُشير إلى تعدد مشاريع استثمار الغاز بوصفها أولوية وطنية. وقد سبق ذلك في ديسمبر 2024 إعلانٌ من الوزارة عن «مشروعٍ مُعجّل» بالاتفاق مع الشريك لتنفيذ استثمار أوّلي للغاز المصاحب بطاقة 50 مليون قدم مكعب قياسي يومياً بنهاية 2025 لتغذية التوليد، ما يعكس محاولة معالجة العجز الصيفي عبر غازٍ محلي بدلاً من الحرق.
وعلى مستوى القرارات الحكومية الداعمة، نشر مكتب رئيس الوزراء خلال 2025 عدداً من القرارات والإعلانات التي تُظهر انتقال المشروع من طور التعاقد إلى حزمٍ تنفيذية محدّدة: فقد أُعلن توقيع عقد محطة معالجة مياه البحر المشتركة (STF) مع الشريك الأجنبي والمقاول الصناعي بطاقة تصميمية 7.5 مليون برميل/يوم، وهو مشروع بنيوي يتيح استدامة إنتاج الحقول الجنوبية ويخفِّف القيود الفنية المرتبطة بالحقن. كما ثُبّتت أسعار عقد الربط وتكاليف التطوير لمشروع محطة «أرطاوي» للطاقة الشمسية بقدرة 1000 ميغاواط، وهو مكوّن مكمِّل لتخفيف ذروة الطلب وتقليص الاعتماد على الوقود السائل في أوقات الشح. وفي بيانات أخرى جرى التأكيد على أنّ عقد «توتال» قيد التنفيذ ضمن برنامج المشاريع الخدمية والتنموية. هذه الإشارات الرسمية مهمّة لأنها تمنح المستثمرين وضوحاً زمنياً وتنظيمياً حول تقدّم الأعمال وموافقات التسعير والربط.
من زاوية تكامل المنظومة، تظهر وزارة الكهرباء مساراً موازياً لتقليل الضياعات وتعزيز التوليد عبر الغاز المصاحب؛ فقد وثّقت الوزارة في أغسطس 2024 تعاوناً مباشراً مع النفط لإكمال مشاريع الاستفادة من الغاز المصاحب على المستوى الوطني، كما أعلنت عن اتفاق مع شركة «سيمنز» لتحويل الغاز المحروق إلى وقود خلال آجالٍ قصيرة، بما يرفد محطات التوليد ويخفض كلفة الاعتماد على بدائل أقل كفاءة. هذه الخطوات الإجرائية – حين تتلاقى مع مسار GGIP – تشكّل جسراً تشغيلياً بين إنتاج الغاز ومعالجته من جهة، وقدرة الشبكة على استيعاب الوقود وإخراجه كهرباءً مستقرة من جهة أخرى.
وتُظهر بيانات وزارة النفط المتتابعة خلال 2025 أن ملف استثمار الغاز لم يعد مشروعاً منفرداً بل حزمة سياسات وأدوات (منها التهيؤ لآليات سندات الكربون) لدعم الجدوى الاقتصادية والبيئية، مع التأكيد الرسمي المتكرر على «التنفيذ» و«التقدّم» بدلاً من الاكتفاء بإعلانات النوايا؛ وهو تحوّل مهم في مناخ الثقة الاستثمارية لأنه يربط الكلام بالإنجاز المتحقق ميدانياً. كما تفيد الوزارة بأن تعدّد مشاريع استثمار الغاز قيد التنفيذ يُعدّ مكوِّناً رئيسياً لتحقيق أمن الطاقة وتقليل الانقطاعات وزيادة الاعتماد على الغاز المحلي.
قانونياً، يستند المستثمر في هذا القطاع إلى «قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006» مع تعديلاته، وهو الإطار العراقي الذي يحدّد الامتيازات والضمانات وآليات التعامل مع هيئات الاستثمار والملكية والضرائب. وقد أعادت وزارة العدل في 16 حزيران/يونيو 2025 نشر القانون مع تعديلاته ونسخه المترجمة رسمياً على منصتها، بما يسهل الرجوع إلى أحدث صيغة نافذة، فيما تُتاح النصوص العربية الكاملة عبر بوابات حكومية ومحلية رسمية وهيئات استثمار المحافظات. هذا التوثيق ضروري لإجراء «العناية الواجبة» القانونية قبل الدخول في عقود تطوير، ولا سيما في قطاعات النفط والغاز والكهرباء ذات الطابع الاستراتيجي.
وعند النظر في المخاطر والعوائد من منظورٍ اقتصادي محض، تقدّم المصادر الحكومية إشاراتٍ عملية على أن مسار التقاط الغاز المرافق وتوجيهه للتوليد يمكن أن يحقق وفوراتٍ بعملةٍ صعبة عبر تقليص الاستيراد، ويخلق قيمة مضافة من غازٍ كان يُحرق دون فائدة، ويمنح الشبكة الكهربائية قدرةً أعلى على مواجهة الذروة الصيفية. تتحقق الجدوى حين تُغلق حلقات السلسلة: من تطوير الحقول (أرطاوي مثالاً) إلى منشآت المعالجة وخطوط التغذية لمحطات الكهرباء، وصولاً إلى استكمال مشاريع البنية التحتية الرديفة كماء البحر والطاقات المتجددة وربطها تجارياً وفنياً. وتؤكّد قرارات مجلس الوزراء وبيانات الوزارات أن هذه الحلقات تُغلق تباعاً بقرارات وعقود وتحديد أسعار ربط وتكاليف تطوير، وهو ما يرفع من قابلية تمويل المشاريع ويقلّل عدم اليقين التشغيلي أمام المستثمر. غير أنّ بقاء التحديات الأمنية والإجرائية وقدرات التنفيذ وسلاسل التجهيز عناصرَ مخاطرة واقعية، ما يستلزم نماذج شراكةٍ واضحة مع الشركات الحكومية (كشركات النفط والغاز الجنوبية) وتدرجاً في التنفيذ يتيح إنتاجاً غازياً مبكراً بالتوازي مع استكمال المرافق النهائية.
خلاصة القول: تُظهر الوثائق العراقية الرسمية خلال 2024–2025 أن العراق انتقل من مرحلة «الإعلان» إلى مرحلة «التنفيذ المتسلسل» في مشروع الجنوب المتكامل ومشاريع استثمار الغاز المصاحب المرتبطة به، مع إسنادٍ قانوني نافذ ومُحدَّث، وقرارات حكومية تؤطر التسعير والربط والعقود الكبرى، وخطواتٍ تشغيلية لدى وزارتي النفط والكهرباء لتسريع إدخال الغاز المحلي في منظومة التوليد. إن تحويل الغاز المحترق إلى وقودٍ محليّ يعزّز أمن الطاقة ويقلّص الهدر ويُنشّط الاستثمار، لكن تحقيق كامل العائد الاقتصادي يتوقف على الانضباط في الجداول الزمنية وتكامل البنى التحتية والالتزام التعاقدي حتى دخول الطاقات التصميمية حيّز الخدمة. لهذه الأسباب، تبدو نافذة 2025–2027 فرصةً مواتية لتثبيت هذا التحوّل، استناداً إلى ما نشرته الجهات العراقية المختصة من قرارات وبيانات تنفيذية مؤخراً.