يمثل قطاع النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد العراقي، ولا يقتصر دوره على تصدير النفط الخام، بل يمتد إلى إنتاج وتسويق المنتجات النفطية المكررة ذات القيمة المضافة. وفي ضوء التطورات الأخيرة في الطاقة التكريرية وإعادة تأهيل المصافي، تبرز مسألة القابلية التجارية للمنتجات النفطية العراقية في الأسواق الإقليمية كموضوع استراتيجي يرتبط بالسياسة الصناعية، وأمن الطاقة، والتوازن التجاري.
تعتمد هذه المقالة حصراً على بيانات ومصادر مؤسسية دولية موثوقة مثل إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، ومنظمة أوبك (OPEC)، وبيانات التجارة الدولية للأمم المتحدة (UN Comtrade) عبر البنك الدولي (WITS)، وتقارير منشورة عبر وكالات دولية معتمدة.
بحسب تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) لعام 2024، تبلغ الطاقة التكريرية التشغيلية في العراق نحو 1.2 مليون برميل يومياً، مع استمرار جهود التوسعة والتأهيل. ويشير التقرير إلى تحسن تدريجي في البنية التحتية للتكرير بعد سنوات من التحديات الأمنية والتقنية.
ومن أبرز التطورات:
مصفاة كربلاء بطاقة تصميمية تبلغ 140 ألف برميل يومياً (تم تدشينها عام 2023 وفق بيانات حكومية منشورة عبر وكالات دولية).
إعادة تشغيل مصفاة الشمال في بيجي بطاقة تقارب 150 ألف برميل يومياً خلال عام 2024.
تقارير لاحقة نقلت عن الجهات الرسمية بلوغ الطاقة التكريرية الإجمالية نحو 1.3 مليون برميل يومياً في عام 2025.
هذه الأرقام تعكس توجهاً واضحاً نحو تقليص الاعتماد على الاستيراد وزيادة القيمة المضافة محلياً.
رغم تحسن الطاقة التكريرية، تشير EIA إلى نقطة جوهرية تؤثر مباشرة على القابلية التجارية، وهي:
المصافي العراقية تنتج فائضاً نسبياً من زيت الوقود الثقيل (Fuel Oil).
في المقابل، لا يغطي الإنتاج المحلي بالكامل الطلب على بعض المنتجات الخفيفة مثل البنزين والديزل.
هذا الخلل في هيكل المخرجات يؤدي إلى نتيجتين تجاريتين متزامنتين:
قابلية تصديرية مرتفعة لزيت الوقود نتيجة الفائض.
استمرار الحاجة إلى استيراد بعض المشتقات الخفيفة لتلبية الطلب المحلي.
وبالتالي فإن القدرة التنافسية الإقليمية ترتبط ليس فقط بحجم الإنتاج، بل بنوعية المخرجات ومدى توافقها مع متطلبات الأسواق المستهدفة.
تعكس بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية (UN Comtrade)، عبر منصة البنك الدولي (WITS)، صورة أوضح للتدفقات التجارية تحت البند الجمركي (HS 2710) الخاص بالزيوت النفطية غير الخام والمنتجات المكررة.
تشير بيانات عام 2023 إلى وجود تدفقات تصديرية ملحوظة من العراق ضمن هذا التصنيف إلى أسواق إقليمية ودولية، من أبرزها:
الإمارات العربية المتحدة
تركيا
الهند
الاتحاد الأوروبي
الولايات المتحدة
وتنسجم هذه البيانات مع تقارير سوقية منشورة عام 2024 أشارت إلى ارتفاع ملحوظ في صادرات زيت الوقود العراقي، مع توجه كميات معتبرة إلى مراكز تجارة الطاقة الآسيوية مثل سنغافورة والهند.
في المقابل، تُظهر بيانات عام 2024 استمرار واردات العراق من المنتجات النفطية المكررة من دول منها:
الهند
تركيا
دول الاتحاد الأوروبي
وهو ما يؤكد استمرار الفجوة في بعض المشتقات الخفيفة، رغم توسع الطاقة التكريرية.
استناداً إلى البيانات أعلاه، يمكن تقييم القابلية التجارية للمنتجات النفطية العراقية وفق أربعة معايير رئيسية:
التوسع في المصافي وإعادة تأهيلها يعزز القدرة على توفير كميات قابلة للتصدير، خاصة في فئة زيت الوقود.
الفائض في زيت الوقود يمنح العراق ميزة تصديرية واضحة في هذا المنتج تحديداً، لا سيما في أسواق آسيا التي تستوعب كميات كبيرة لأغراض صناعية وتكريرية.
يمنح الموقع الجغرافي للعراق أفضلية لوجستية في تزويد أسواق:
الخليج العربي
تركيا
شرق المتوسط
جنوب آسيا عبر الموانئ الجنوبية
تظل القدرة على تحسين جودة المشتقات الخفيفة، ورفع كفاءة وحدات التكرير المتقدمة (مثل وحدات التكسير وإزالة الكبريت)، عاملاً حاسماً في تعزيز تنافسية المنتجات ذات القيمة الأعلى.
المعطيات المؤسسية تشير إلى أن العراق:
انتقل من مرحلة الاعتماد شبه الكامل على تصدير الخام إلى مرحلة تعزيز القيمة المضافة عبر التكرير.
يمتلك قابلية تجارية واضحة في تصدير زيت الوقود.
لا يزال في مرحلة انتقالية لتحقيق الاكتفاء الكامل من بعض المشتقات الخفيفة.
يشهد تحسناً تدريجياً في بنيته التكريرية يعزز فرصه الإقليمية مستقبلاً.
تُظهر البيانات المؤسسية الدولية أن المنتجات النفطية العراقية – ولا سيما زيت الوقود – تتمتع بقابلية تجارية فعلية في الأسواق الإقليمية، مدفوعة بفائض إنتاجي وتحسن في الطاقة التكريرية. وفي الوقت ذاته، يكشف هيكل المخرجات عن تحديات تتعلق بتوازن سلة المنتجات وجودتها.
وعليه، فإن مستقبل التنافسية الإقليمية للعراق في سوق المنتجات النفطية لا يعتمد فقط على زيادة الطاقة التكريرية، بل على تطوير نوعية المشتقات، ورفع الكفاءة التقنية، وتحقيق التوازن بين الإنتاج المحلي والطلب الداخلي.
بهذا المعنى، فإن العراق يقف عند مرحلة تحول صناعي مهمة، قد تنقله من مصدر للخام بالدرجة الأولى إلى لاعب إقليمي أكثر تأثيراً في سوق المنتجات النفطية المكررة.