في تطور تنظيمي بارز يعكس التحوّل في سياسات الرقابة على المنصات الرقمية الكبرى، أعلنت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (Competition and Markets Authority CMA) عن تصنيف شركة غوغل (Google) بصفة الكيان ذي الوضع السوقي الاستراتيجي (Strategic Market Status SMS) في مجال خدمات البحث العامة داخل المملكة المتحدة.
ويُعد هذا القرار أول تطبيق عملي لنظام الأسواق الرقمية الجديد المستحدث بموجب قانون الأسواق الرقمية والمنافسة والمستهلكين لعام 2024 (Digital Markets, Competition and Consumers Act 2024)، والذي يمنح الهيئة صلاحيات رقابية موسَّعة تجاه المنصات الرقمية ذات النفوذ الاقتصادي الواسع.
يستند هذا التصنيف إلى معايير قانونية دقيقة، إذ يجب على الهيئة، قبل منح صفة «الوضع السوقي الإستراتيجي»، أن تثبت توفّر قوة سوقية راسخة للشركة في نشاط رقمي محدد، وأن يكون لهذا النشاط أهمية استراتيجية تؤثر بشكل جوهري في الإقتصاد البريطاني أو في رفاه المستهلكين أو في أداء الأسواق ذات الصلة.
وبالفعل، أظهرت نتائج التحقيق أن غوغل تسيطر على نسبة تتجاوز 90% من سوق البحث في المملكة المتحدة، ما يجعلها «بوابة أساسية» للوصول إلى المعلومات الرقمية والإعلانات التجارية، ويمنحها تأثيراً هيكلياً واسعاً على المنافسة داخل البيئة الرقمية.
ورغم أن هذا التصنيف لا يشكّل إدانة أو إتهاماً بارتكاب مخالفة قانونية، إلا أنه يفتح المجال أمام الهيئة لاستخدام أدوات قانونية وتنظيمية جديدة تهدف إلى ضبط السلوك السوقي ومنع إساءة استخدام القوة الإقتصادية.
وبموجب النظام الجديد، تمتلك الـCMA صلاحية فرض متطلبات سلوكية (Conduct Requirements) محددة على الكيانات الحاصلة على وضع SMS، مثل:
ضمان الشفافية وعدم التمييز في خدمات البحث والإعلانات،
حماية بيانات المستخدمين والمنافسين،
منع تفضيل الخدمات الذاتية (self-preferencing)،
وتوفير فرص متكافئة للمنافسين للوصول إلى الأسواق الرقمية.
كما يتيح القانون للهيئة تطبيق ما يُعرف بـالتدخّلات المؤيدة للمنافسة (Pro Competition Interventions)، وهي إجراءات تصحيحية تُفرض عندما يتبيّن أن سلوك الكيان المهيمن يحدّ من المنافسة أو يضرّ بالمستهلكين. وتخضع هذه التدخلات لمبادئ التناسب والضرورة، وتُحدَّد وفق عمليات تشاور عام وتحليل إقتصادي وقانوني مفصّل لضمان التوازن بين حماية المنافسة وتشجيع الابتكار.
وأكدت الهيئة أن جميع الخطوات اللاحقة ستتم وفق إجراءات شفافة ومنشورة للعامة، وقد أصدرت بالفعل النسخة غير السرّية من القرار النهائي وأسباب التصنيف على موقعها الرسمي، لتوضيح الأساس القانوني والإقتصادي الذي استندت إليه.
ويمثل هذا الإجراء، بحسب البيان الرسمي، نقطة تحوّل في الإطار التنظيمي البريطاني للأسواق الرقمية، ويهدف إلى إنشاء بيئة أعمال أكثر توازناً وعدلاً بين شركات التكنولوجيا العملاقة والمنافسين الجدد.
ويُتوقّع أن يشكّل هذا القرار سابقة تنظيمية تُحتذى من قبل هيئات المنافسة الأخرى في أوروبا وخارجها، خصوصاً في ظل تقاطع هذا النظام مع قانون الأسواق الرقمية الأوروبي (Digital Markets Act DMA)، الذي يسعى لتحقيق الأهداف نفسها على مستوى الإتحاد الأوروبي.
ويؤكد محللون أن المملكة المتحدة تسعى عبر هذا النظام إلى تحقيق توازن دقيق بين تمكين الإبتكار التقني وحماية المستهلكين وضمان عدم تحوّل المنصات الرقمية الكبرى إلى مراكز نفوذ غير قابلة للمساءلة القانونية.